وصل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط إلى نقطة الغليان، ما جرّ الولايات المتحدة إلى وضع أمني متدهور بسرعة. ومع هيمنة الحرب الإيرانية على عناوين الأخبار العالمية، تجد إدارة بايدن نفسها في خضم واحدة من أخطر الأزمات في هذا العقد. وفي ظلّ تعرّض الاستقرار الإقليمي للخطر، يتحوّل ردّ الفعل الأمريكي من التحذيرات الدبلوماسية إلى الاستعداد العسكري الملموس. ويراقب العالم عن كثب كيف توازن واشنطن بين ضرورة حماية حلفائها ومصالحها وبين احتمال اندلاع صراع إقليمي شامل.
حشد الجيش الأمريكي قواته مع اشتداد الحرب مع إيران
استجابةً لتصاعد العنف، شرع البنتاغون في إعادة تنظيم واسعة النطاق لقواته في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد أمر مسؤولو الدفاع بإرسال مجموعات حاملات طائرات إضافية إلى المنطقة، مصحوبة بتشكيلة هائلة من المدمرات الصاروخية الموجهة وأسراب المقاتلات المتقدمة. ويهدف هذا الانتشار السريع إلى تعزيز آلاف الجنود الأمريكيين المتمركزين بالفعل في المنطقة، وضمان حصولهم على القوة النارية والدعم اللوجستي اللازمين للعمل في بيئة شديدة التنافس. ويؤكد الحجم الهائل لهذه التعبئة مدى جدية تعامل واشنطن مع مستوى التهديد الحالي.
إلى جانب استعراض القدرات الهجومية، تتمثل الأولوية العاجلة للقادة الأمريكيين في تعزيز وضعهم الدفاعي. ومع اتساع رقعة الحرب مع إيران عبر شبكة من الجماعات المسلحة تسليحًا كثيفًا، أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا في حالة تأهب قصوى. وقد سارعت وزارة الدفاع الأمريكية بإرسال بطاريات صواريخ باتريوت إضافية وأنظمة الدفاع الصاروخي الطرفي عالي الارتفاع (THAAD) إلى دول حليفة رئيسية. وتُعد هذه التدابير الدفاعية بالغة الأهمية ليس فقط لحماية الأفراد الأمريكيين، بل أيضًا لتوفير غطاء واقٍ فوق نقاط الاختناق البحرية الحيوية في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
يهدف هذا الاستعراض للقوة عمداً إلى توجيه رسالة واضحة لا لبس فيها إلى طهران. ويسعى الاستراتيجيون العسكريون في واشنطن إلى تحقيق توازن دقيق: إظهار تفوق عسكري ساحق لردع أي عدوان إضافي دون التسبب، عن غير قصد، في اندلاع حرب إقليمية شاملة يأملون في تجنبها. ومع ذلك، فمع استمرار القوات الإيرانية وميليشياتها المتحالفة معها في اختبار الخطوط الحمراء الأمريكية عبر أسراب الطائرات المسيرة وإطلاق الصواريخ الباليستية، بات الخط الفاصل بين الردع الاستراتيجي والقتال الفعلي غير واضح بشكل خطير.
واشنطن تدرس خيارات الرد السريع
خلف الأبواب المغلقة في البيت الأبيض والبنتاغون، يناقش مجلس الأمن القومي بشكل مكثف كيفية الرد في حال تعرض أرواح أمريكية أو بنية تحتية حيوية للحلفاء لهجوم. ويتزايد الضغط من كلا الجانبين السياسيين، حيث يطالب المشرعون بموقف حازم ضد العدوان الإيراني. وقدّم المخططون العسكريون للرئيس قائمة شاملة من خيارات الرد، تتراوح بين ضربات محلية متناسبة وحملات مدمرة تهدف إلى شلّ الجهاز العسكري الإيراني. كل خيار ينطوي على مخاطر جسيمة، مما يُجبر صانعي القرار على الموازنة بين المكاسب التكتيكية الفورية والتداعيات الاستراتيجية طويلة الأمد.
قبل اللجوء إلى ضربات عسكرية واسعة النطاق، تُجري واشنطن دراسة مكثفة للردود غير المتكافئة والاقتصادية. وتشير التقارير إلى أن قيادات الحرب السيبرانية جاهزة لتعطيل شبكات القيادة والسيطرة الإيرانية، مستهدفةً البنية التحتية الرقمية التي تُنسق عمل الحرس الثوري الإسلامي وميليشياته التابعة. في الوقت نفسه، تُعدّ وزارة الخزانة الأمريكية موجة جديدة من العقوبات الثانوية المصممة لقطع ما تبقى من مصادر تمويل الآلة العسكرية الإيرانية. تُمكّن هذه الخيارات غير العسكرية الولايات المتحدة من إلحاق أضرار جسيمة مع الحفاظ على هامش إنكار ضئيل.
ومع ذلك، لا يزال خطر العمل العسكري المباشر قائماً بقوة. وفي حال اضطرت الولايات المتحدة إلى الرد عسكرياً، فقد أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن الرد سيكون سريعاً ودقيقاً وذا قوة تدميرية هائلة، ومن المرجح أن يستهدف منشآت تصنيع الطائرات المسيّرة، ومواقع إطلاق الصواريخ، والأصول البحرية الرئيسية للحرس الثوري الإيراني. وتنسق واشنطن حالياً بشكل وثيق مع حلفائها الأوروبيين وشركائها الإقليميين لضمان حصول أي عمل عسكري على دعم دولي واسع. والهدف الأسمى هو إعادة بناء قوة ردع فعّالة دون جرّ الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد وخاسرة في الشرق الأوسط.
بات مسار الحرب مع إيران على حافة الهاوية، والولايات المتحدة في قلب الأزمة. ومع تمركز القوات العسكرية ووضع صانعي السياسات اللمسات الأخيرة على خطط الطوارئ، يبدو أن فرصة التهدئة الدبلوماسية تتلاشى بسرعة. فالقرارات التي ستُتخذ في واشنطن خلال الأيام القادمة لن تحدد مصير الشرق الأوسط فحسب، بل ستعيد تشكيل ديناميكيات الأمن العالمي لسنوات قادمة. في الوقت الراهن، يترقب العالم بقلق لمعرفة ما إذا كان الردع سيصمد أم أن فصلاً جديداً مدمراً من الصراع على وشك البدء.