لعقود طويلة، تأثر النظام العالمي إلى حد كبير بالنفوذ الغربي والقيادة الأمريكية. إلا أن موازين القوى الجيوسياسية تشهد تحولات متسارعة مع تقارب اثنتين من أقوى قوى العالم. فقد تطورت الشراكة المتنامية بين الصين وروسيا من تحالف ظرفي إلى تحالف استراتيجي شامل. وبينما تُظهر بكين وموسكو جبهة موحدة على الساحة الدولية، يُثير هذا التحالف المتنامي قلقاً بالغاً في واشنطن، ويُثير مخاوف عميقة لدى صانعي السياسة الأمريكيين بشأن مستقبل الاستقرار العالمي والهيمنة الأمريكية.
الصين وروسيا تُشكلان تحالفاً جديداً قوياً
قبل بضعة عقود فقط، ربما بدت فكرة شراكة سلسة بين بكين وموسكو مستبعدة، نظراً لتاريخهما الحافل بالنزاعات الحدودية والتنافس الأيديولوجي. أما اليوم، فقد تغير الوضع جذرياً. فبدافع من رغبة مشتركة في مواجهة الهيمنة الغربية، أعلنت الصين وروسيا شراكة "بلا حدود" تشمل تقريباً جميع قطاعات حكومتيهما. لم يعد هذا التحالف مجرد كلام، بل تحول إلى تعاون هيكلي عميق يربط بين عملاقي أوراسيا بطرق لم يشهدها العالم الحديث من قبل.
يكمن جوهر هذا التحالف في محرك اقتصادي قوي مصمم لمقاومة الضغوط الخارجية. فقد وجدت روسيا، التي تواجه عقوبات غربية تاريخية بسبب تدخلها في أوكرانيا، مشترًا متحمسًا لاحتياطياتها الهائلة من الطاقة في الصين. وفي المقابل، تضمن بكين إمدادات ثابتة ومخفضة من النفط والغاز الطبيعي لتغذية قاعدتها الصناعية الضخمة. علاوة على ذلك، يعمل البلدان بنشاط على تقليل الاعتماد على الدولار في تجارتهما الثنائية، وتسوية المعاملات بالروبل واليوان. ولا يقتصر أثر هذه المناورات المالية على تعزيز اقتصاداتهما المحلية فحسب، بل يخلق أيضًا بنية مالية موازية معزولة عن الأنظمة المصرفية الغربية.
إلى جانب الجوانب الاقتصادية، يتزايد التعاون العسكري والتكنولوجي بين البلدين. تجري القوات المسلحة الصينية والروسية الآن تدريبات عسكرية مشتركة بانتظام، حيث تُحلّق قاذفات القنابل معًا فوق بحر اليابان، وتُجري مناورات بحرية في ممرات مائية استراتيجية. إضافةً إلى ذلك، يتزايد تبادل التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك التطورات في مجال الطيران والفضاء والذكاء الاصطناعي. ومن خلال توحيد رسائلهما الدبلوماسية في الأمم المتحدة وتوسيع نطاق وجودهما العسكري المشترك، تُظهر الصين وروسيا جبهة موحدة قوية تُشكّل تحديًا لموازين القوى التقليدية.
لماذا تشعر واشنطن بقلق بالغ إزاء هذا الاتفاق
بالنسبة للولايات المتحدة، يُمثل توطيد التحالف الصيني الروسي كابوسًا استراتيجيًا سعى صناع القرار إلى تجنبه منذ الحرب الباردة. ويتمثل الشاغل الرئيسي لواشنطن في التهديد المباشر الذي يُشكله هذا التحالف على النظام الدولي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. ويضطر مخططو الدفاع الأمريكيون الآن إلى مواجهة حقيقة وجود تهديد على جبهتين. فمع تعزيز روسيا لنفوذها في أوروبا الشرقية، واستعراض الصين لقوتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تواجه الولايات المتحدة احتمالًا هائلًا يتمثل في ردع خصمين رئيسيين يمتلكان أسلحة نووية في آن واحد.
يُعدّ تراجع النفوذ الاقتصادي الأمريكي مصدر قلق رئيسي آخر في واشنطن. فعلى مدى سنوات، استخدمت الولايات المتحدة بنجاح العقوبات الاقتصادية كأداة أساسية لمعاقبة السلوكيات الخارجة عن القانون وفرض المعايير الدولية. إلا أن المحور الاقتصادي الصيني الروسي يُضعف بشدة فعالية هذه الإجراءات. فمن خلال تزويد موسكو بشريان حيوي اقتصادي وسوق ضخمة لمنتجاتها، تُحيد بكين فعلياً قدرة واشنطن على عزل روسيا. ويخشى المسؤولون الأمريكيون من أن هذه الخطة للتحايل على العقوبات قد تُمكّن دولاً معادية أخرى، مما يُضعف النفوذ المالي الأمريكي على الصعيد العالمي.
أخيرًا، ثمة خوفٌ متأصلٌ من عدوانٍ انتهازيٍّ منسق. فإذا ما تورطت الولايات المتحدة في أزمةٍ مطولةٍ في منطقةٍ ما، فقد ينتهز الشريك الآخر الفرصة لتعزيز طموحاته الإقليمية. فعلى سبيل المثال، قد يُشجع تصعيدٌ حادٌ في أوروبا بكين نظريًا على التحرك نحو تايوان، مُدركةً أن الموارد العسكرية والدبلوماسية الأمريكية مُستنزفةٌ للغاية بحيث لا تستطيع الرد بفعالية. وقد أثارت هذه الشبكة المترابطة من التهديدات نقاشاتٍ عاجلةً في واشنطن حول الجاهزية العسكرية، والإنفاق الدفاعي، وضرورة حشد الحلفاء الديمقراطيين لمواجهة هذا المحور الاستبداديّ المُخيف.
لا شك أن توطيد العلاقات بين الصين وروسيا يُعدّ من أبرز التطورات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فما بدأ كشكوى مشتركة من الهيمنة الغربية، تحوّل إلى تحالف متعدد الأوجه قادر على إعادة تشكيل النظام العالمي. بالنسبة للولايات المتحدة، لا تُمثّل هذه الشراكة مجرد صداع دبلوماسي، بل تحديًا استراتيجيًا عميقًا يستلزم إعادة تقييم سياستها الخارجية وموقفها الدفاعي. ومع استمرار بكين وموسكو في التقارب والتنسيق، يتعين على واشنطن وحلفائها التعامل مع هذه الحقبة الجديدة من التنافس بين القوى العظمى بحذر ومرونة غير مسبوقين.