مجرد احتمال دونالد ترمب أحدثت عودة ترامب إلى البيت الأبيض صدمةً في أروقة السلطة الأوروبية. فبعد سنوات من محاولات توطيد العلاقات عبر الأطلسي، يواجه القادة الأوروبيون فجأةً صحوةً سياسيةً عميقة. فمن الإنفاق الدفاعي إلى السياسات التجارية، لم تعد القارة تعتبر المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية أمراً مفروغاً منه. ومع ازدياد زخم صعود ترامب السياسي في الولايات المتحدة، تشهد السياسة الأوروبية تحولاً سريعاً وغير مسبوق، إذ تنتقل من عقلية الاعتماد السلبي إلى عقلية الاستقلال الاستراتيجي العاجل.
عودة ترامب تُجبر على تغيير مسار السياسة الأوروبية
يتخلى القادة الأوروبيون بسرعة عن وهم واشنطن التي يمكن التنبؤ بها إلى الأبد. فعلى مدى عقود، عمل الاتحاد الأوروبي على افتراض أساسي مفاده أن الولايات المتحدة ستظل شريكًا ثابتًا وتقليديًا بغض النظر عن الحزب السياسي الذي يتولى الرئاسة. إلا أن احتمال عودة ترامب قد حطم هذا الرضا عن النفس. ويعترف السياسيون من باريس إلى وارسو علنًا بضرورة استعداد القارة لمستقبل تتسم فيه السياسة الخارجية الأمريكية بطابع نفعي بحت. وقد أدى هذا إلى تحول جذري في الخطاب السياسي الأوروبي، دافعًا مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" من مجرد مصطلح نظري إلى تفويض سياسي ملح.
يُعدّ الدفاع أبرز جوانب هذا التحوّل القاري. فخلال ولايته الأولى، تركت انتقادات ترامب المتكررة لحلف الناتو ومطالبه بزيادة تقاسم الأعباء أثراً نفسياً عميقاً على الدول الحليفة. والآن، في ظلّ الحرب الدائرة في أوكرانيا، تضاعفت المخاطر بشكل كبير. إذ تُسرّع الحكومات الأوروبية بشكل ملحوظ من وتيرة زيادة ميزانياتها الدفاعية وتُعيد تنشيط مجمعاتها الصناعية العسكرية. ويدرك القادة تماماً أن عودة إدارة ترامب قد تُقلّص بشكل كبير المساعدات العسكرية لكييف أو تُقلّص الوجود الأمريكي الأوسع في أوروبا، مما يُجبر القارة على بناء استراتيجية ردع مستقلة وذات مصداقية.
على الصعيد الداخلي، يُحدث صعود ترامب مجدداً تغييرات جذرية في المشهد السياسي الأوروبي. فنهجه الشعبوي اليميني يُشجع حركات سياسية مماثلة في أنحاء القارة. وتراقب الأحزاب القومية في دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا حملته الانتخابية في الولايات المتحدة عن كثب، وغالباً ما تستلهم خطابه المناهض للمؤسسة الحاكمة ومواقفه المتشددة بشأن الهجرة. ونتيجةً لذلك، يُجبر القادة الأوروبيون الوسطيون على التكيف، إذ يُعيدون صياغة سياساتهم الداخلية لمعالجة مخاوف الناخبين، بينما يسعون في الوقت نفسه إلى الحفاظ على جبهة موحدة على الساحة الدولية، مما يُؤدي إلى مشهد سياسي أوروبي أكثر واقعية وصرامة.
الدول الحليفة تتسابق لإعادة تعريف العلاقات عبر الأطلسي
خلف الأبواب المغلقة، تتسابق الدول الحليفة لتحصين علاقاتها الدبلوماسية ضد ترامب. وتُرسل وزارات الخارجية في مختلف أنحاء أوروبا دبلوماسيين بنشاط لاستمالة المشرعين الجمهوريين، ومراكز الأبحاث المحافظة، والشخصيات المقربة من ترامب. والهدف هو إقامة قنوات اتصال فعّالة تتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية، لضمان فهم المصالح الأوروبية من قِبل الأشخاص الذين قد يُساهمون قريبًا في صياغة السياسة الأمريكية. ويُمثل هذا التواصل الاستباقي تحولًا جذريًا عن الماضي، مُسلطًا الضوء على إدراك عملي لأهمية العلاقات الشخصية والضغط المباشر في بيئة جيوسياسية يقودها ترامب.
اقتصاديًا، تستعد القارة لاحتمال عودة سياسات "أمريكا أولًا" التجارية. لا تزال الأسواق الأوروبية تتذكر الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم التي فُرضت في عهد ترامب الأول، وقد دفع التهديد بإجراءات حمائية جديدة الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في مواطن ضعفه الاقتصادية. ولحماية أنفسهم من حروب تجارية محتملة عبر الأطلسي، تسعى الدول الأوروبية إلى تنويع سلاسل التوريد العالمية لديها وتعميق سوقها الموحدة الداخلية. وهناك مساعٍ متجددة لإبرام اتفاقيات تجارية مع شركاء من أمريكا الجنوبية وآسيا، لضمان عدم عزل أوروبا اقتصاديًا إذا قررت الولايات المتحدة الانكفاء على نفسها.
في نهاية المطاف، يُجبر هذا التنافس أوروبا على إعادة النظر في دورها الأوسع على الساحة العالمية. فإذا تراجعت الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كقائدة بلا منازع للعالم الحر، ستدرك الدول الأوروبية أنها ستضطر إلى ملء الفراغ. وهذا يعني صياغة سياسات خارجية أكثر تماسكًا لمواجهة التحديات العالمية، بدءًا من إدارة العلاقات مع الصين التي تزداد نفوذًا، وصولًا إلى التفاعل مع دول الجنوب العالمي. وبينما لا تزال الدول الأوروبية تُقدّر تحالفها مع الولايات المتحدة تقديرًا عميقًا، فإنها تُعيد تعريف أسس هذه العلاقة بنشاط، مُستعدةً لشراكة تُصبح فيها قوةً مُكافئةً ومُكتفيةً ذاتيًا، بدلًا من كونها حليفًا تابعًا.
يُثبت عودة دونالد ترامب السياسية أنها حافز قوي للتغيير عبر المحيط الأطلسي، حتى قبل فرز الأصوات رسميًا. بالنسبة لأوروبا، بات واضحًا أن عهد الاعتماد المطلق على القيادة الأمريكية قد ولّى. يبقى أن نرى ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى قارة أوروبية أقوى وأكثر وحدة، أم أنه سيزيد من حدة الانقسامات الداخلية القائمة. مع ذلك، ثمة أمر واحد مؤكد، وهو أن التحالف عبر الأطلسي يُعاد تشكيله بشكل جذري، وأن العواصم الأوروبية باتت أخيرًا تتولى زمام الأمور.