لماذا تتحول الولايات المتحدة وأوروبا إلى عدوتين؟


لعقود طويلة، شكّل التحالف عبر الأطلسي حجر الزاوية للاستقرار الجيوسياسي الغربي. فقد تشكّلت هذه الشراكة بين الولايات المتحدة وأوروبا في أتون الحرب العالمية الثانية، وترسّخت خلال الحرب الباردة، وبدت راسخة لا تتزعزع. إلا أن السنوات الأخيرة جلبت معها فتورًا خفيًا، وإن كان جليًا، لهذه العلاقة التاريخية. ورغم أن وصفهما بـ"العدوين" قد يبدو مبالغًا فيه، إلا أن الواقع يُشير إلى أن واشنطن وبروكسل تجدان نفسيهما على خلاف متزايد. فبسبب تباين المصالح الاقتصادية، وتغيّر أولويات السياسة الخارجية، والاضطرابات السياسية الداخلية، تخوض القوتان غمار حقبة جديدة يطغى فيها التنافس على التعاون. ومع تصدّع النظام العالمي، يُصبح فهم أسباب تباعد الولايات المتحدة وأوروبا أمرًا بالغ الأهمية لكل من يتابع السياسة العالمية.

الفجوة المتزايدة بين الولايات المتحدة وأوروبا

انتهت رسمياً فترة شهر العسل التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فعلى مدى أجيال، اعتمدت أوروبا اعتماداً كبيراً على الولايات المتحدة كغطاء أمني، بينما تمتعت الولايات المتحدة بدعم أوروبي مطلق على الساحة الدولية. واليوم، يتغير هذا الوضع جذرياً. إذ تُحوّل واشنطن تركيزها الاستراتيجي بشكل متزايد نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة صعود الصين، مما يجعل القادة الأوروبيين يشعرون بالتهميش والقلق على محيطهم. وقد أجبر هذا التحول أوروبا على إدراك حقيقة أنها لم تعد قادرة على افتراض أن الولايات المتحدة ستكون دائماً حاضرة لتكون بمثابة درعها الجيوسياسي، مما أدى إلى ظهور مساعٍ نحو "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي."

على الصعيد الاقتصادي، تحولت العلاقة من شراكة تعاونية إلى منافسة شرسة. وقد ازداد استياء الاتحاد الأوروبي مما يعتبره حمائية أمريكية. وتعرضت تشريعات مثل قانون خفض التضخم الأمريكي (IRA)، الذي يقدم دعماً هائلاً للتكنولوجيا الخضراء المصنعة في أمريكا، لانتقادات حادة من العواصم الأوروبية. ويجادل قادة الاتحاد الأوروبي بأن هذه السياسات تضر بالصناعات الأوروبية بشكل غير عادل، وتهدد بإشعال حرب تجارية عبر الأطلسي. في الوقت نفسه، اتخذت بروكسل زمام المبادرة في تنظيم شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى بشكل صارم، وفرضت عليها غرامات باهظة وقواعد صارمة غالباً ما تثير غضب واشنطن.

أصبح الدفاع والأمن، اللذان كانا في يوم من الأيام أقوى رابط يجمع الحلف، مصدرًا لاحتكاكات عميقة. فبينما وحدت الحرب في أوكرانيا حلف الناتو في البداية، إلا أنها كشفت أيضًا عن تصدعات كامنة عميقة. وقد سئمت الولايات المتحدة من تحمل العبء الأكبر من الناحية المالية والعسكرية، وضغطت مرارًا وتكرارًا على الدول الأوروبية للوفاء بأهدافها في الإنفاق الدفاعي. في المقابل، تدرك الدول الأوروبية خطر الاعتماد المفرط على القوة العسكرية الأمريكية، لا سيما في ظل الطبيعة غير المتوقعة للانتخابات الأمريكية. وقد أدى هذا إلى تسريع المناقشات في بروكسل حول إنشاء إطار دفاعي أوروبي مستقل، وهي خطوة يراها البعض في واشنطن تهديدًا لتماسك حلف الناتو.

كيف تُشعل السياسات المتغيرة التوترات عبر الأطلسي

شكّل عدم الاستقرار السياسي الداخلي في الولايات المتحدة عاملاً رئيسياً في تفاقم القلق عبر الأطلسي. فقد عانى القادة الأوروبيون من تقلبات سياسية حادة خلال العقد الماضي، إذ شهدوا تذبذباً كبيراً في السياسة الخارجية الأمريكية بين الإدارات المتعاقبة. وقد زعزع نهج "أمريكا أولاً" القائم على المصالح المشتركة ثقة أوروبا بشدة، وبينما سعت الإدارات اللاحقة إلى تحسين العلاقات، إلا أن النزعة الحمائية الكامنة في السياسة الأمريكية لا تزال قائمة. وتنظر أوروبا اليوم إلى الولايات المتحدة كشريك غير متوقع، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى صياغة سياسات تحمي اقتصاده وعلاقاته الخارجية من تقلبات السياسة الداخلية الأمريكية.

إن الصين هي القضية الجيوسياسية الأبرز التي تشغل الرأي العام، وهي تُحدث شرخاً كبيراً بين واشنطن وبروكسل. فقد تبنت الولايات المتحدة موقفاً متشدداً بشكل متزايد، إذ تنظر إلى بكين باعتبارها تهديداً رئيسياً للهيمنة الأمريكية، وتدفع باتجاه فك ارتباط سلاسل التوريد العالمية بشكل سريع. أما أوروبا، فهي أكثر انقساماً حول هذه القضية. فالعديد من الدول الأوروبية، ولا سيما القوى الاقتصادية الكبرى كألمانيا، تعتمد اعتماداً كبيراً على الأسواق الصينية، وهي مترددة في قطع هذه العلاقات المربحة. هذا التردد يُحبط صانعي السياسة الأمريكيين، الذين يرون أن أوروبا تُعطي الأولوية للمكاسب الاقتصادية قصيرة الأجل على حساب الأمن العالمي طويل الأجل.

تمثل سياسة الطاقة والتحول الأخضر العالمي ساحة معركة أخرى شديدة التنافس. ففي أعقاب الصراع الروسي الأوكراني، سارعت أوروبا لإيجاد بديل للغاز الروسي الرخيص، لتصبح في نهاية المطاف معتمدة بشكل كبير على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي باهظ الثمن. ورغم أن هذا حلّ أزمة آنية، إلا أنه ترك الأوروبيين يشعرون بضغوط اقتصادية من حليفهم المفترض. علاوة على ذلك، ومع تسابق القوتين للسيطرة على قطاع الطاقة النظيفة، تتسبب أطرهما التنظيمية المختلفة في احتكاك مستمر. فالولايات المتحدة تُفضل حوافز ضريبية ضخمة لتحفيز الابتكار المحلي، بينما تعتمد أوروبا بشكل كبير على تسعير الكربون واللوائح البيئية الصارمة، مما يخلق سوقًا عالمية غير متكافئة تُؤدي في كثير من الأحيان إلى تنافس الشركات الأمريكية والأوروبية.

قد يكون القول بأن الولايات المتحدة وأوروبا تتحولان إلى عدوتين صريحتين مبالغة كبيرة، لكنهما بلا شك تتحولان إلى خصمين قويين. لقد ولّى زمن التحالف عبر الأطلسي غير المشروط، وحلّت محله علاقة أكثر براغماتية ونفعية. وبينما تتجه واشنطن شرقًا نحو آسيا وتنكفئ اقتصاديًا على نفسها، تُجبر بروكسل على شق طريقها المستقل على الساحة الدولية. وسيتطلب التعامل مع هذا الواقع الجديد جهودًا دبلوماسية مكثفة، إذ يتعين على كلا الجانبين تعلم كيفية إدارة خلافاتهما المتنامية مع الحفاظ على جبهة موحدة في مواجهة التهديدات الاستبدادية الحقيقية. لم يمت التحالف عبر الأطلسي، لكنه تغير بشكل جذري، والعالم يراقب عن كثب كيف ستتطور هذه المنافسة الجديدة.