في السنوات الأخيرة، بلغ المناخ السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة ذروة التوتر، ما جعل مواطنيها والمجتمع الدولي يترقبون الوضع بقلق بالغ. فما كان يُعتبر منارة للاستقرار الديمقراطي، بات اليوم أشبه بأمة منقسمة بشدة، ممزقة على أسس أيديولوجية وثقافية وجغرافية. وقد ازداد الخطاب في واشنطن وعموم البلاد عدائية، ما دفع علماء السياسة والمؤرخين وعامة الشعب الأمريكي إلى طرح سؤال مقلق: هل تقترب الولايات المتحدة من حرب أهلية ثانية؟ في حين أن الصراع الحديث سيختلف على الأرجح اختلافاً جذرياً عن ساحات معارك ستينيات القرن التاسع عشر، إلا أن مؤشرات التراجع الديمقراطي الحاد والتمزق المجتمعي باتت واضحة لا يمكن تجاهلها.
تعميق الانقسامات في الجمهورية الأمريكية
إنّ أبرز شرخ في الجمهورية الأمريكية اليوم هو الاستقطاب السياسي الحاد، الذي يكاد يكون قبليًا، والذي يُهيمن على الحياة اليومية. لقد تآكل الوسط السياسي الأمريكي بسرعة، ليحل محله غرف صدى أيديولوجية تُكافئ التطرف وتُعاقب التسوية. بالنسبة لشريحة متزايدة من السكان، لم يعد يُنظر إلى الخصوم السياسيين على أنهم مجرد مواطنين ذوي توجهات سياسية مختلفة، بل كتهديد وجودي لبقاء الأمة. هذه العقلية "نحن ضدّهم" تُضخّمها بشدة وسائل الإعلام الحزبية وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي المصممة لتأجيج الغضب، مما يضمن تعرّض الأمريكيين باستمرار لأكثر الخطابات تحريضًا من الجانب الآخر.
إلى جانب هذا الانقسام الأيديولوجي، يبرز انهيارٌ عميقٌ وخطيرٌ للثقة في المؤسسات الأساسية للبلاد. فالديمقراطية الفاعلة تعتمد على إيمانٍ مشتركٍ بشرعية أنظمتها، إلا أن الثقة في القضاء والإعلام ومنظمات الصحة العامة والعملية الانتخابية نفسها قد تراجعت إلى مستوياتٍ تاريخيةٍ متدنية. عندما يعتقد جزءٌ كبيرٌ من الشعب أن الانتخابات مزورة أو أن النظام القضائي يُستخدم كسلاحٍ ضدهم، يصبح الانتقال السلمي للسلطة -وهو السمة المميزة للديمقراطية الأمريكية- هشًا للغاية. وبدون حكامٍ محايدين موثوق بهم لتسوية النزاعات، يزداد إغراء حل الصراعات السياسية خارج نطاق القانون.
علاوة على ذلك، تتخذ هذه الانقسامات طابعًا جغرافيًا وثقافيًا متزايدًا، مما يخلق فعليًا أمريكتين على نفس الرقعة الأرضية. وقد تعمقت الفجوة بين المراكز الحضرية الليبرالية والمناطق الريفية المحافظة لتتحول إلى حرب باردة ثقافية حادة، حيث تسعى الولايات بقوة إلى فرض أجندات تشريعية تتعارض بشكل مباشر مع القوانين الفيدرالية أو قوانين الولايات المجاورة. وتُخاض معارك حول قضايا تتراوح بين الحقوق الإنجابية والسيطرة على الأسلحة النارية والتعليم واللوائح البيئية، ليس فقط في الكونغرس، بل أيضًا من خلال تحدٍّ على مستوى الولايات يختبر حدود السلطة الفيدرالية. هذا الاستقطاب الحزبي المفرط على مستوى الولايات يخلق أمة مجزأة تتغير فيها الحقوق والواقع الأساسي بمجرد عبور حدود ولاية أخرى، مما يزيد من تآكل أي شعور متبقٍ بالتماسك الوطني.
علامات تحذيرية لحرب أهلية ثانية وشيكة
من أخطر مؤشرات اندلاع نزاع أهلي محتمل هو تطبيع العنف السياسي. شكّلت أحداث الشغب في مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني نقطة تحوّل، لكنها لم تكن حادثة معزولة، بل كانت تتويجًا لسنوات من الخطاب المتصاعد. اليوم، باتت التهديدات الموجهة ضد العاملين في الانتخابات والقضاة وأعضاء مجالس المدارس والمسؤولين المنتخبين أمرًا روتينيًا مثيرًا للقلق. عندما يتحوّل العنف، أو التهديد به، من محظور هامشي إلى أداة مقبولة للضغط السياسي، ينخفض عتبة الاضطرابات المدنية واسعة النطاق بشكل خطير. تاريخيًا، يُعدّ الانتقال من الخطاب الحاد إلى العنف الجسدي مؤشرًا رئيسيًا على أن المجتمع يتجه نحو حرب داخلية.
ومما يزيد هذا التهديد تعقيداً انتشار الجماعات شبه العسكرية المسلحة وتزايد وجود الأسلحة النارية في المظاهرات السياسية. تمتلك الولايات المتحدة أسلحة نارية مملوكة للمدنيين أكثر من عدد السكان، وشهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في مشتريات الأسلحة مدفوعة إلى حد كبير بتزايد الخوف من انهيار مدني. بدأت الميليشيات المتطرفة والفصائل المسلحة المحلية بالتنظيم بشكل أكثر علنية، وغالباً ما تصور نفسها على أنها وطنية تدافع عن الدستور ضد حكومة مستبدة. عندما يبدأ مواطنون مدججون بالسلاح بتسيير دوريات في الاحتجاجات أو حراسة صناديق الاقتراع، يصبح خطر تحول مواجهة بسيطة إلى سلسلة مميتة من ردود الفعل المتتالية خطراً حقيقياً وملموساً.
إذا اندلعت حرب أهلية أمريكية ثانية، يحذر الخبراء من أنها لن تشبه على الأرجح جيوش الولايات المتحدة المتحاربة في ستينيات القرن التاسع عشر، بل ستكون أقرب إلى تمرد لا مركزي وغير متكافئ. ويشير محللو النزاعات إلى "الاضطرابات" في أيرلندا الشمالية كمثال تاريخي أكثر دقة: فترة طويلة من العنف الطائفي والإرهاب المحلي والاغتيالات المستهدفة التي نفذتها فصائل متطرفة. ونحن نشهد بالفعل المراحل الأولى لهذا الإرهاب العشوائي، حيث يستلهم أفراد أو خلايا صغيرة من الخطاب السياسي التحريضي لارتكاب أعمال عنف. ومع ازدياد تواتر هذه الهجمات اللامركزية، فإنها تُهدد بإغراق أجهزة إنفاذ القانون المحلية وإجبار الحكومة الفيدرالية على رد فعل عنيف، الأمر الذي قد يُضفي مصداقية على رواية المتمردين ويجر البلاد إلى مزيد من الفوضى.
بينما تمر الولايات المتحدة بلا شك بواحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث، فإن اندلاع حرب أهلية شاملة ليس حتميًا. فالديمقراطيات تتمتع بمرونة ملحوظة، ولا تزال الغالبية العظمى من الأمريكيين تفضل السلام والاستقرار على العنف والفوضى. مع ذلك، فإن تجاهل المؤشرات التحذيرية الواضحة - من تآكل الثقة المؤسسية إلى الارتفاع المقلق في العنف السياسي - سيكون خطأً تاريخيًا فادحًا. إن إنقاذ الجمهورية من حافة الهاوية يتطلب جهدًا هائلاً من الحزبين لتهدئة الخطاب، ومحاسبة المتطرفين، وإعادة بناء الأسس المدنية المشتركة التي وحدت أمة متنوعة. الطريق أمامنا محفوف بالمخاطر، والخيارات التي يتخذها قادة اليوم ومواطنوه ستحدد في نهاية المطاف مصير التجربة الأمريكية، هل ستصمد أم تنهار.