في عالم السياسة الإيرانية المعقد والغامض، قلّما نجد شخصيات تتمتع بنفوذ هادئ وتدقيق مكثف مثل مجتبى خامنئي. بصفته الابن الثاني للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، لطالما عمل مجتبى في الخفاء، إلا أن تأثيره لا يزال حاضراً بقوة على مستقبل الجمهورية الإسلامية. مع تقدم والده في السن، أصبحت مسألة الخلافة محور السياسة الإيرانية، وكثيراً ما يُذكر مجتبى كأحد أبرز المرشحين لتولي زمام السلطة. بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُعد هذا الانتقال الوشيك مجرد مسألة مراقبة عن بُعد، بل متغيراً جيوسياسياً بالغ الأهمية. إن فهم المسار السياسي لمجتبى وميوله الأيديولوجية ضروري للتنبؤ بمستقبل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال فيها المصالح الاستراتيجية لواشنطن متشابكة بعمق مع التحولات الداخلية في طهران.
الصعود السياسي لمجتبى جمنئي في إيران
على الرغم من عدم شغله أي منصب عام رئيسي، فقد بنى مجتبى جامعني قاعدة نفوذ هائلة داخل النظام السياسي الإيراني المعقد. ومن خلال عمله بشكل أساسي عبر مكتب المرشد الأعلى، يُعدّ جامعني بمثابة حلقة وصل أساسية بينه وبين والده. وعلى مدى العقدين الماضيين، نسج جامعني علاقات استراتيجية عميقة مع أقوى مؤسسات البلاد، ولا سيما الحرس الثوري الإسلامي والمؤسسة الدينية المحافظة. وقد برز نفوذه بشكل لافت خلال الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، حيث يُقال إنه لعب دورًا محوريًا في تنسيق رد الدولة على احتجاجات الحركة الخضراء، مما رسّخ سمعته كمدافع براغماتي لا يلين عن النظام.
تزايدت التكهنات حول مجتبى كخليفة محتمل في السنوات الأخيرة، مدعومةً بتغيرات طفيفة في صورته العامة. ومن أبرز هذه التغيرات، لجوء وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية الموالية للدولة إلى وصفه برتبة آية الله، وهي رتبة دينية أساسية لتولي منصب المرشد الأعلى. إلا أن طريقه إلى القمة لا يخلو من عقبات كبيرة. فقد كانت الثورة الإسلامية عام 1979 رفضًا جوهريًا للملكية الوراثية، مما جعل فكرة خلافة الابن لأبيه إشكاليةً أيديولوجيةً لبعض أفراد المؤسسة. وللتغلب على هذه الإشكالية، يركز أنصار مجتبى على كفاءته الإدارية وعلاقاته الوثيقة بالأجهزة الأمنية، مصورين إياه على أنه المرشح الأنسب لضمان استمرارية الحكم، لا مجرد مستفيد من المحسوبية.
من الناحية الأيديولوجية، يُنظر إلى مجتبى جامعني على نطاق واسع باعتباره محافظًا متشددًا يعكس، إن لم يكن يُضخّم، رؤية والده المتشددة للعالم. ويرى المحللون أن نظامًا تحت قيادته سيرجح على الأرجح تكثيف استراتيجية "محور المقاومة"، مُعطيًا الأولوية للنفوذ الإقليمي والحرب بالوكالة على المصالحة الدبلوماسية مع الغرب. ويشير تقاربه الوثيق مع الحرس الثوري الإيراني إلى أن الشخصيات العسكرية والأمنية ستستمر في الهيمنة على عملية صنع القرار في السياسة الداخلية والخارجية لإيران. ونتيجة لذلك، يُنذر صعوده السياسي بمستقبل لإيران لا تزال شديدة الريبة من النفوذ الخارجي، راسخة في طموحاتها الإقليمية، ومقاومة بشدة للإصلاح الداخلي.
تكييف السياسة الخارجية الأمريكية مع مستقبل إيران
مع تزايد احتمالية وصول مجتبى جامعني إلى القيادة العليا، يتعين على السياسة الخارجية الأمريكية التكيف بشكل استباقي مع واقع إيران المتشددة. لم يعد بإمكان صناع القرار في واشنطن الاعتماد على أمل عودة الإصلاح المعتدل في طهران لبناء استراتيجيات طويلة الأمد. فإذا تولى مجتبى زمام الأمور، بدعم قوي من الحرس الثوري الإيراني، فمن المرجح أن تواجه الولايات المتحدة خصماً متجذراً في موقفه المعادي للغرب. وهذا يستلزم تحولاً استراتيجياً نحو الردع المستدام والاحتواء الفعال. ستحتاج الإدارات الأمريكية إلى إدارة برنامج إيران النووي المتطور وأنشطتها الإقليمية مع إدراك أن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي شامل قد يكون مستحيلاً من الناحية الهيكلية في ظل قيادة ترتبط شرعيتها بمقاومة النفوذ الأمريكي.
في مواجهة هذا التوجه المتشدد الراسخ، ستحتاج الولايات المتحدة إلى تعزيز بنيتها الأمنية في الشرق الأوسط. ويتمثل أحد المكونات الرئيسية لتكييف السياسة الأمريكية في تعميق التعاون مع الشركاء الإقليميين التقليديين، بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج العربي. وانطلاقاً من أطر عمل مثل اتفاقيات أبراهام، يتعين على واشنطن تعزيز أنظمة دفاع إقليمية متكاملة، لا سيما في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، لمواجهة التهديد الذي تشكله الجماعات الموالية لإيران. ومع ذلك، تواجه الولايات المتحدة مهمة دقيقة تتطلب منها تحقيق توازن دقيق: إذ يجب عليها طمأنة حلفائها وردع العدوان الإيراني دون التسبب، عن غير قصد، في إشعال فتيل صراع عسكري مباشر على مستوى المنطقة، قد يجر القوات الأمريكية إلى حرب أخرى طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، يتطلب المشهد الجيوسياسي من الولايات المتحدة تحسين أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية. فبينما لطالما شكلت العقوبات حجر الزاوية في الضغط الأمريكي على إيران، من المرجح أن يواصل نظام مجتبى تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع منافسيه العالميين مثل روسيا والصين لتجاوز العزلة الاقتصادية الغربية. ولمواجهة ذلك، يجب أن تركز السياسة الخارجية الأمريكية على الدبلوماسية الاقتصادية متعددة الأطراف، وتشديد إنفاذ العقوبات، مع معالجة الشبكات متعددة الأقطاب الأوسع التي تدعم اقتصاد طهران في الوقت نفسه. وفي الوقت ذاته، يجب على واشنطن الحفاظ على قنوات دبلوماسية سرية وغير رسمية لإدارة الأزمات المفاجئة، وضمان وجود آليات، حتى في غياب العلاقات الرسمية، لمنع أي سوء تقدير مع قيادة إيرانية ذات طابع عسكري قوي في مرحلة ما بعد الانتقال.
يمثل احتمال تولي مجتبى جامعني منصب المرشد الأعلى منعطفًا حاسمًا لإيران والشرق الأوسط عمومًا. إن ترسيخه الهادئ، وإن كان قويًا، لسلطته، والمتشابك بعمق مع الحرس الثوري والمؤسسة المحافظة، يشير إلى مستقبل تبقى فيه سياسات طهران المتشددة، داخليًا وإقليميًا، راسخة لا تتزعزع. بالنسبة للولايات المتحدة، يعني التكيف مع هذا الواقع التخلي عن أوهام الاعتدال السياسي السريع في إيران. بدلًا من ذلك، يجب على واشنطن الاستعداد لحقبة طويلة من التنافس الاستراتيجي، مع التركيز على الردع القوي، وتعزيز التحالفات الإقليمية، وممارسة الدبلوماسية ببراعة. ومع اقتراب المرحلة الانتقالية في طهران، سيتوقف مسار السياسة الخارجية الأمريكية على قدرتها على التعامل مع بيئة معقدة تحددها قيادة إيرانية متشددة تركز على الأمن.